حكم حلق اللحية ، و التصرف مع الوالدين الرافضين لها و السلطات المتهمة معفيها
المفتي: لجنة الإفتاء
2026-05-28
17
السؤال:
ما حكم حلق اللحية لأسباب سياسية ، خاصة أني تم استدعائي من قبل لاجل اشتباه كنت بريئا منه و والداي يصران على حلقها ؟ جزاكم الله خيرًا.الجواب:
حياكم الله وبياكم أيها الأخ الحبيب الفاضل، وبارك الله فيكم، حفظك الحافظ ووالديك من كل سوء ومكروه.
إنا مبدأ نستشعر ما يمر به قلبك من قلق وضيق، فالمرء حين يجد نفسه بين رغبةٍ صادقة في التمسك بهدي النبي ﷺ، وبين خوفٍ واقع على نفسه، وإصرارٍ من والدين يدفعُهما الخوف والشفقة؛ يقع في حرج كبير. لكن الشريعة الإسلامية الغراء، بمقاصدها العلية وفقهها الواسع، لم تجعل علينا في الدين من حرج ، ولك أن تقرأ قوله تعالى في يورة الحج ﴿هُوَ اَ۪جْتَب۪يٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِے اِ۬لدِّينِ مِنْ حَرَجٖۖ مِّلَّةَ أَبِيكُمُۥٓ إِبْرَٰهِيمَۖ هُوَ سَمّ۪يٰكُمُ اُ۬لْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِے هَٰذَا لِيَكُونَ اَ۬لرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَي اَ۬لنَّاسِۖ ... ﴾ سورة الحج.
وقبل الفتوى هاك استعراضا لحكم حلق اللحية آراء العلماء فيه :
اختلف علماء الأمة الأجلاء في حكم حلق اللحية (أي إزالتها بالكلية بشفرة أو ما شابهه) على قولين مشهورين:
القول بالتحريم (قول الجمهور):
مشهور مذهب السادة المالكية، والحنفية، والحنابلة، ووجهٌ عند الشافعية، إلى أن حلق اللحية محرم. واستدلوا بالأحاديث الصحيحة الآمرة بالإعفاء مثل قوله ﷺ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ؛ وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (متفق عليه). وحملوا الأمر هنا على الوجوب الفقهي.
القول بالكراهة :
رأي عند المالكية كالإمام الزرقاني ، وهو المعتمد والمفتى به عند متأخري السادة الشافعية، كالإمامين الرافعي والنووي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والخطيب الشربيني. فهم يرون أن حلق اللحية مكروه كراهة تنزيهية وليس بمحرما. وعللوا ذلك بأن الأمر بالإعفاء معلل بمخالفة الأعاجم والمشركين، وهو من باب العادات والآداب والجماليات، وليس من باب التعبد المحض أو العبادات الواجبة، والأمر في باب الآداب يحمل على الندب لا الوجوب.
وللهروج من الخلاق قسم العلماء إعفاء اللحية إلى : ما يتحقق به الواجب - المسنون - المندوب - والمكروه ، فقالوا : القدر الواجب (عند الجمهور): هو الإبقاء على أصل الشعر النابت على الخدين والذقن، وعدم استئصاله بالحلق الكامل ، و المسنون هو القبضة من السعر ، أو ما ينتهي حيث انتهت الرقبة ، والمندوب: هو حد القبضتين ، ، و المكره ما طال عن المعتاد و تسعث و سبب خلَقا في الصورة ، و المطلوب إجماعا و اتفاقا هو إعفاء اللحية وتركها تنمو لتكون مظهرأ حسناً لائقاً بالرجل، مع العناية بنظافتها وترجيلها (تمشيطها وتطييبها)؛ والنبي ﷺ كان يعتني بلحيته الشريفة ،
و كان بعض الصحابة كابن عمر -رضي الله عنهما- يأخذ من لحيته ما زاد عن "القبضة" (أي ما يفيض عن قبضة اليد).
و عند التطرق لنازلتك اعلم أن الأصوليين قرروا أن "حفظ النفس" و"حفظ الحرية والعِرض" من الضروريات الخمس التي هدمت الشريعةُ الدنيا لأجل الحفاظ عليها. وقد ذكرتَ أنك استُدعيت سابقاً على سبيل الاشتباه، وأن هناك توجساً أمنياً أو سياسياً يحيط بك بسببها. القواعد الفقهية الكبرى تقول:
"الضرورات تبيح المحظورات"
"المشقة تجلب التيسير"
"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"
فالخوف من الحبس، أو الأذى، أو التضييق الأمني، أو اتهام البريء باطلاً، يُعتبر عذراً شرعياً معتبراً يسقط بسببه الإثم في فعل المحظور على رأي الجمهور أو المكروه على رأي الشافعية و من وافقهم من المذاهب الأخرى
واعلم إن طاعة الوالدين وبرهما فرض عين قطعي الدلالة والثبوت، وصيانتهما عن القلق والهلع والاضطراب النفسي أمر عظيم في الشريعة. وحين يرى الوالدان أن لحية ابنهما قد تكون سبباً في تكرار استدعائه أو تعريض أمنه للخطر، فإن أمرهما بحلقها ينبع من الشفقة والحرص، و على هذا :
إنا لا نعلم دولة تستدعي أثحاب اللحى الخفيفة ، فإعفاء ما دون القبضة ، و الاعتناء به ، بإذن الله لن يورط صاحبه ، و إن خاف التورط فيه كان له عذرا ، و ما حك الجلد مثل الظفر حينها هو فقيه نفسه ، و بسأن الوالدين فمراضاتهما خير ، والتفاق معهما أحين ، فإن أصرا على تبييض محلها و فشرط الله فوق شرط العباد ، ولا طاعة لمخلزق في معصية الخالق الأعظم ، و على السائل محاولة مراضاتهما و إن ازم منه الأمر التراجع عن المسنون فبرور الوالدين فرض مقدم ، يبقي محقق الواجب في لحيته ، فإن رضيا به خير ، و إن لم يرضيا فلا تراجع بعد ذالك. هذا والله ﷻ أعلى و أعلم ، و رسوله ﷺ أدى و علم